الاقتصاد الرقمي يمثل اليوم 15 بالمائة من الناتج المحلي العالمي
والمغرب بوابة إفريقيا الأكثر قدرة على رقمنة المعطيات والنهوض بمجتمع المعرفة
ملف من انجاز / لطيفة نفيل
يعد ملف ” الثورة الرقمية في إفريقيا: الابتكار التكنولوجي كرافعة لتطوير التعليم، الصحة، والزراعة المستدامة من المواضيع المتشعبة والتي تحتاج أكثر من دراسة تفصيلية وذلك بالنظر لأهمية الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تطوير المنظومة المعلوماتية للدول والبلدان الإفريقية على اختلاف مستوياتها في سلم التنمية، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليقول إلى أي حد هي القارة الأفريقية مستعدة من حيث البنية الأساسية للانخراط في مجتمع المعرفة الرقمية والذكاء الاصطناعي لاستخلاص واكتساب فوائد هذا التطور، فهناك العديد من دول القارة تطمح إلى أن تصبح قوة في مجال الذكاء الاصطناعي قاريا، لكنها لم تحقق بعد تقدما كبيرا في هذه التكنولوجيا الرقمية المتقدمة، ولا تزال تكافح لأجل خلق البنية التحتية واللوائح وغيرها من المتطلبات السياسية للنهوض بعالم التكنولوجيا المتطورة بالقارة، وهذا ما سنحال معرفته في الملف التالي :
لقد أصبح الترقي في سلم الرقمنة والذكاء الاصطناعي مقياس تقاس به قوة الدول، وقدرتها على مواكبة متطلبات ومستجدات العصر، بحيث تكون الرقمنة والذكاء الاصطناعي بمثابة الرافدين الأساسيان في التنمية الاقتصادية الإفريقية الشاملة، والمواكبة للتطور العالمي، بل لقد أصبح التحكم في الرقمنة والذكاء الاصطناعي من الآليات الضامنة لدعم الاستقرار السياسي والأمني في القارة ككل، ويمكننا هنا الحديث عن ما يسمى بالاقتصاد الرقمي، الذي يمثل اليوم 15 بالمائة من الناتج المحلي العالمي، أي ما يقدر بـ 6500 مليار دولار، وهو ما يؤكد أننا اليوم نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي، بل يؤكد على أن الدول الرائدة في المجال الاقتصادي هي حقا الدول الرائدة في المجال الرقمي، بحيث لا يمكن اليوم فصل الرقمنة والذكاء الاصطناعي عن التنمية، وتحقيق الاقتصاديات القوية للدول، والعكس صحيح، إذ أن الدول الضعيفة والمتأخرة في سلم التنمية هي نفسها الدول الضعيفة تكنولوجيا ورقميا، ولا تعتمد آليات الذكاء الاصطناعي، وهنا يأتي دور التنمية والتأهيل الرقمي للقارة الإفريقية، والذي لا يمكن أن يتم إلا من خلال بوابة الاقتصاد .
وبالتالي فرحلة التحول الرقمي تحتاج إلى مواجهة تحديات جودة البيانات وخصوصية البيانات، وتأهيل وتطوير واستعداد القوى العاملة لانجاز هده المهام، هذا بالإضافة طبعا إلى توفير البنية التحتية الرقمية، فالعديد من مجموعات البيانات الرقمية للقارة مخزنة خارج إفريقيا، مما يحد من الوصول إلى معلوماتها، وسيادتها عليها، فهناك حاجة لزيادة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والتدريب المتخصص، والبحث والتطوير، وتوسيع شبكات الإنترنت عالية السرعة في المناطق الحضرية، والقروية وأيضا المناطق الجبلية والنائية، بالقارة السمراء، فنقص القدرة التكنولوجية، وتراجع مستوى التنمية البشرية، وكذا تفاوت الفجوات الرقمية في إفريقيا يزيد من مشاكل انخفاض الاستثمار في البحث والتطوير التكنولوجي.

ومعلوم أن هناك دولا افريقية من بينها المغرب استطاعت رفع تحديات الوصول إلى اقتصاد تكنولوجي غني، وذلك بتعزيز مستوياتها في سلم الرقمنة والذكاء الاصطناعي بالقارة، متغلبة على التحديات التي تعرقل العديد من دول القارة للوصول إلى ذات التقدم تكنولوجيا والمغرب بالمناسبة يمد يده دائما لباقي سكان القارة لخلق مجتمعات المعرفة الرقمية وتعزيز نظم الاشتغال بالذكاء الاصطناعي وجعله قاطرة لتنمية الشاملة للقارة الإفريقية.
ومع التقدم المتسارع في التكنولوجيا، تسعى إفريقيا إلى بلوغ مرحلة جديدة من التنمية تعتمد على الابتكار والتحول الرقمي، فالذكاء الاصطناعي هو أحد المحركات الكبرى التي ستعيد تشكيل مستقبل القارة الإفريقية في مختلف القطاعات، بل وأيضا كفاعل رئيسي في النظام الرقمي العالمي، وتعكس التزام القارة بالتحول الرقمي الشامل، وتعزيز الابتكار، وتحقيق التنمية المستدامة من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي، كما تمثل علامة فارقة في مسيرة التحول الرقمي للقارة، بحيث استطاعت الإمكانات الكبيرة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز مكانة إفريقيا كمشارك فاعل في الاقتصاد العالمي الرقمي.
وبالتالي فاستمرار الجهود في تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز القدرات البشرية، وصياغة سياسات تنظيمية رشيدة، تفتح أمام إفريقيا آفاق جديدة لتحقيق نهضتها التكنولوجية والتنموية الشاملة، الحل الأمثل نحو جهود حثيثة لتبني أُسس الذكاء الاصطناعي، تكمن في شراكات افريقية – افريقية مع الدول الرائدة تكنولوجيا، فالقارة الإفريقية ما زالت بحاجة إلى وضع مرتكزات الذكاء الاصطناعي بها، ومن أهمها، وضع إستراتيجيات وطنية والعمل على تنفيذها، فضلا عن الاستثمار في رأس المال البشري، وتحسين البيئة التنظيمية، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وهو ما لن يتأتى إلا بشراكة وازنة مع الدول الرائدة تكنولوجيا ورقميا في القارة وعلى رأسها المملكة المغربية التي أثبتت ما مرة قدرتها على تجديد خلايا العمل البنيوي بالقارة الإفريقية والنهوض بها تنمويا لتسهم باقتصاد قادر على الاندماج في المنظومة العالمية .
ومعلوم أن تقرير التنمية البشرية لعام 2025 أكد على ضرورة تسخير فرص التحول الرقمي لتعزيز التنمية البشرية، كما تحدث التقرير عن ميكانيزمات الرقمنة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وعلاقتها بالتنمية البشرية، وذلك من خلال بحث يكشف كيفية قدرة الرقمنة إما على تضخيم أو تخفيف التفاوتات القائمة داخل المجتمعات، وإعادة تشكيل المشهد السياسي، وإعادة تعريف الهياكل الاقتصادية.

التكنولوجيا الرقمية في إفريقيا بعيون البنك الدولي
وفي دراسة حديثة للبنك الدولي توقع فيها أنه بحلول عام 2030، يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي بمبلغ 1.5 تريليون دولار في الناتج المحلي الإجمالي لإفريقيا، أي حوالي 50 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي الحالي، إذا تمكن من الاستحواذ على 10 بالمائة فقط من سوق الذكاء الاصطناعي العالمي سريع النمو، كما من المتوقع أن يولد الذكاء الاصطناعي 2.9 تريليون دولار أمريكي لإفريقيا بحلول عام 2030، إلى جانب نصف مليون وظيفة جديدة سنويا، ومسارا قويا للخروج من براثن الفقر لأكثر من 11 مليون شخص يعيش بالقارة السمراء.
وبحسب ذات التقرير فقطاع الخدمات الرقمية في إفريقيا يشهد نموا متسارعا، مع ابتكارات في التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية وتكنولوجيا الهاتف المحمول، والتي كان للذكاء الاصطناعي دور مهِم فيها، وعلى مدار العقد الماضي وحده، تضاعف حجم المعاملات والتمويل في منظومة التكنولوجيا الإفريقية عشرة أضعاف تقريبا، حيث تم استثمار ما يقارب 20 مليار دولار أمريكي في حوالي 3000 صفقة، 68 بالمائة منها خلال السنوات الثلاث الماضية، من الواضح أن الفرصة لإفريقيا لم تكن يوما أكبر من أي وقت مضى، ليس فقط للاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية وحل التحديات المجتمعية الرئيسية، بل أيضا لتصبح لاعبا أكثر أهمية في اقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي.
كما يمكن تطبيق الذكاء الاصطناعي بقطاعات تنموية مختلفة بالقارة، ففي الزراعة مثلا يغطي الذكاء الاصطناعي 49 بالمائة، وفي العمل المناخي 26 بالمائة، وفي الطاقة 24 بالمائة، وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية القطاع الزراعي الإفريقي، إذ يشغل قطاع الزراعة 52 بالمائة من القوى العاملة في إفريقيا، كما يسهم بنسبة 17 بالمائة في المتوسط في الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وينتج صغار المزارعين ما يصل إلى 80 بالمائة من الغذاء، والذين غالبًا ما يستخدمون التقنيات التقليدية، ويفتقرون إلى الوصول إلى المعلومات التي من شأنها أن تُساعد في تحسين الإنتاج.
ومن هنا تضمن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الزراعة خدمات استشارية رقمية مدعمة بالتعلم الآلي، والتي تزود المزارعين بنصائح قائمة على البيانات لتبني ممارسات زراعية ذكية مناخيا وتحسين الإنتاجية، تصل هذه الحلول عادة إلى المزارعين عبر الأجهزة المحمولة، مما يسلط الضوء على أهمية امتلاك الأجهزة، وإتقان المهارات الرقمية، وسهولة الاستخدام، كما تساعد على تحسين المحاصيل وزيادة الإنتاجية.

ويستخدم الذكاء الاصطناعي في “التنبؤ بالأوبئة والفيضانات، وتوفير تشخيصات آلية عبر التصوير الطبي، واكتشاف الأمراض من صور النباتات أو الجلد، وأتمتة تقييمات المتعلمين، وغيرها، وتقدم هذه التطبيقات حلولا لتعويض نقص الموارد البشرية في مجالات مثل الصحة التعليم في إفريقيا، وفي الوقت نفسه، ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على إحداث ثورة في قطاع التكنولوجيا فحسب، بل يعيد بالفعل رسم ملامح مستقبل إفريقيا. فهو يُقدِّم حلولاً للتحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية الرئيسية التي تواجهها، وقد تحدث إمكاناته الفريدة نقلة نوعية في القارة فمثلا يستخدم الذكاء الاصطناعي في رواندا لتحسين جودة التعليم.
على سبيل المثال، تعاونت الحكومة مع شركة IBM لإطلاق برنامج يسمى IBM Digital Nation Africa، والذي يقدم دورات مجانيةً عبر الإنترنت في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وعلوم البيانات للشباب الرواندي، وفي غانا، يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين دقة وكفاءة التشخيصات الطبية، وقد طورت شركة ناشئة تدعى إم فارما منصةً مدعومةً بالذكاء الاصطناعي تساعد الصيادلة والأطباء على إجراء تشخيصات دقيقة للأمراض، ووصف الأدوية المناسبة للمرضى، وبالمثل، تسهل منصات البيانات، مثل Zenvus في نيجيريا، وصول المزارعين إلى المعلومات الحيوية، مما يؤدي إلى تحسين الإنتاج والمحاصيل الزراعية فرانسيس وآخرون، 2019، وفي جنوب إفريقيا، هناك أمثلة أخرى على استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين الإنتاج.
ويمكن للبنية التحتية العامة الرقمية والذكاء الاصطناعي أن يكونا عاملين أساسيين في تمكين التجارة الإقليمية في إفريقيا، إذ يمكن لنظام الدفع والتسوية الإفريقي (DPI) تبسيط التخليص الجمركي، وتمكين المدفوعات عبر الحدود بسلاسة، وتحسين فرص الحصول على تمويل التجارة للشركات الصغيرة والمتوسطة، كما يعزز الذكاء الاصطناعي تدفقات التجارة من خلال معلومات السوق، وتحسين سلسلة التوريد، وعمليات التحقق الآلية من الامتثال، مما يقلل من أوجه القصور ومخاطر الاحتيال، أما بالنسبة لدول الشراكة مع إفريقيا مثل مصر وغانا والمغرب وجنوب إفريقيا، فإن دمج البيانات الكبيرة والذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز القدرة التنافسية التجارية، ويجذب الاستثمار، ويدعم تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية.

Layali Maghribia موقع ليالي مغربية جريدة الكترونية مغربية