ملف من إنجاز/ دة. لطيفة نفيل
الولايات المتحدة الأمريكية تراهن على قمة العشرين لخلق التوازن المالي العالمي المهدد
تعد مجموعة العشرين (G20) منتدى دوليا يجمع بين أكبر اقتصاديات العالم المتقدمة والناشئة، تأسست عام 1999 بعد الأزمة المالية الآسيوية كمنتدى لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمناقشة القضايا الاقتصادية والمالية العالمية، قبل أن تتم ترقيتها إلى مستوى رؤساء الدول والحكومات في أعقاب الأزمة المالية العالمية سنة 2007، تضم المجموعة في عضويتها كلا من الأرجنتين وأستراليا والبرازيل وكندا والصين وفرنسا وألمانيا والهند وإندونيسيا وإيطاليا واليابان والمكسيك وروسيا والمملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا وكوريا الجنوبية وتركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي. وعن أهداف المجموعة ومساعيها وأدوارها الحالية والمستقبلية وكذا مدى قدرة “بريكس “على منافستها، يجيبنا الملف التالي:
كرونولوجيا تأسيس قمة العشرين
تعد مجموعة العشرين من المبادرات التي أتت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي هدفت إلى الزيادة من التنسيق الدولي حول السياسات الاقتصادية، وتشمل هذه المبادرات مؤسسات مثل بريتون وودز، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وبذلك فهي تشكل منتدى دولي يجمع الحكومات ومحافظي البنوك المركزية من 20 دولة والاتحاد الأوروبي، وإن كان تأسيسها رسميا لم يتم إلا سنة 1999، خلال اجتماع وزراء مالية مجموعة السبع، حيث تقرر أن يكون الاجتماع الافتتاحي يومي 15 و16 دجنبر 1999 في برلين. واختير وزير المالية الكندي، بول مارتن، كأول رئيس واستضاف وزير المالية الألماني هانز إيشيل الاجتماع الافتتاحي.
هذا، وقد سبق أن صدر تقرير سنة 2004 عن “كولن آي برادفورد ويوهانس إف لين” عن معهد بروكينغز أن مجموعة العشرين قد تأسست في الأساس بمبادرة من إيشيل، رئيس مجموعة السبع آنذاك، ومع ذلك، وصف برادفورد لاحقا وزير المالية الكندي ورئيس وزراء كندا فيما بعد بول مارتن بأنه “المهندس الأساسي لتشكيل مجموعة العشرين على مستوى وزراء المالية”، وهو نفس الشخص الذي اقترح لاحقا أن تنتقل دول مجموعة العشرين إلى عقد قمم على مستوى قادة الدول”، وبذلك فإن مشروع مجموعة العشرين هو مشروع بدأه مارتن ثم أنهاه وزير الخزانة الأمريكي لورانس سامرز، إذ جاءت فكرة التأسيس كاستجابة لسلسلة أزمات الديون الهائلة التي انتشرت عبر الأسواق الناشئة في أواخر التسعينيات، بدءا من أزمة البيرو المكسيكية، ثم الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، والأزمة المالية الروسية عام 1998، وقد أثرت هاته الأزمات أيضا على الولايات المتحدة، وعلى الأخص في شكل انهيار صندوق الاحتاط البارز في إدارة رؤوس الأموال طويلة الأجل، رأى مارتن وسامرز أنه في عالم سريع العولمة، لن تتمكن مجموعة الدول السبع ومجموعة الثماني ونظام بريتون وودز من توفير الاستقرار المالي، وقد تصوروا مجموعة جديدة وأوسع نطاقا تضم الاقتصادات العالمية الكبرى، من شأنها أن تعطي صوتا ومسؤوليات جديدة.
اعتبارا من عام 2021، هناك 20 عضوا في المجموعة، الأرجنتين، أستراليا، البرازيل، كندا، الصين، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، الهند، إندونيسيا، إيطاليا، اليابان، المكسيك، روسيا، المملكة العربية السعودية، جنوب إفريقيا، كوريا الجنوبية، تركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إسبانيا ضيف دائم.
يشمل الممثلون، في قمم القادة، زعماء تسع عشرة دولة والاتحاد الأوروبي، وفي الاجتماعات على المستوى الوزاري، وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية لتسع عشرة دولة والاتحاد الأوروبي.
بالإضافة إلى ذلك، يشمل ضيوف مجموعة العشرين كل عام إسبانيا، ودولتان أفريقيتان هما رئيس الاتحاد الأفريقي وممثل الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا “نيباد” ودولة أو أكثر من دولة مدعوة من قبل الرئاسة، وعادة ما تكون من منطقتها.
يسرد الجدول الأول من الجدول أدناه الكيانات الأعضاء ورؤساء الحكومات ووزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية. يسرد الجدول الثاني الإحصاءات ذات الصلة مثل أرقام السكان والناتج المحلي الإجمالي لكل عضو، بالإضافة إلى تفاصيل عضوية المنظمات الدولية الأخرى، مثل مجموعة السبعة وبريكس وميكتا، إجمالي أرقام الناتج المحلي الإجمالي معطاة بملايين الدولارات الأمريكية.

مجموعة العشرين منظمة متعددة الانتماءات
الأعضاء الحاليين لمجموعة العشرين يمثلون نحو 65.2 بالمائة من سكان العالم، وتضم أنظمتها نظام فيرالي واحد، و 16 جمهورية، منها 7 جمهوريات اتحادية و1 جمهورية شعبية، و3 ممالك إحداهم ذات نظام الملكية المطلقة، كما تنقسم دول مجموعة العشرين حسب انتماءات دولها إلى تجمعات دولية تتوزع بين ثلاث دول عن مجموعة دول “النافتا” التي تضم كلا من الولايات المتحدة الأمريكية والولايات المتحدة المكسيكية وكندا، كما تضم مجموعة العشرين أيضا دولتان من السوق المشتركة، و4 دول من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ثلاثة دول أعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، في حين أن الانتماء الجغرافي لمجموعة العشرين فيتوزع بين القارة الآسيوية ممثلة بالصين والهند وإندونيسيا واليابان وكوريا الجنوبية والسعودية، وتركيا أما أفريقيا فلها تمثيلية وحيدة في شكل دولة جنوب أفريقيا فقط، أما أمريكا الجنوبية فتمثلها الأرجنتين والبرازيل، وأوروبا تمثلها من الجهة الشرقية روسيا ومن الجهة الغربية بريطانيا، إضافة إلى ثلاث دول من الاتحاد الأوروبي هي فرنسا، وإيطاليا، وألمانيا، في حين أن أمريكا الشمالية تمثلها أمريكا، وكندا، والمكسيك، وقارة أستراليا تمثلها أستراليا.
فمنذ نشأتها في أعقاب الأزمة المالية العالمية في 2008، أصبحت قمة العشرين “G20” واحدة من أبرز المنتديات الدولية لمناقشة قضايا الاقتصاد العالمي وتوجيه السياسات الاقتصادية العامة لمناقشة التحديات الرئيسية التي تواجه الاقتصاد العالمي وللبحث عن سبل تعزيز الاستقرار والنمو الاقتصادي، ففي الوقت الذي نعيش فيه اليوم، تشهد العلاقات الدولية تحولات هامة، وتشير الدلائل إلى أن النظام العالمي يقترب من مفترق طرق جديد.
وفي هذه الدورة التي عقدت بداية الشهر الماضي بالهند، أضافت مجموعة العشرين الاتحاد الإفريقي كعضو في قمتها السنوية، وتمكنت الهند المضيفة من إقناع المجموعة المتباينة بالتوقيع على بيان نهائي، ولكن فقط بعد تخفيف اللغة بشأن القضية المثيرة للجدل المتمثلة في الحرب الروسية بأوكرانيا، على اعتبار أن الأشهر الأخيرة التي سبقت قمة القادة في نيودلهي، لم تتمكن الهند من التوصل إلى اتفاق بشأن الصياغة المتعلقة بأوكرانيا، مع اعتراض روسيا والصين حتى على اللغة التي اتفقتا عليها العام الماضي في قمة مجموعة العشرين في بالي، وسلط البيان الختامي، الذي صدر قبل يوم واحد من اختتام القمة رسميا، الضوء على المعاناة الإنسانية والآثار السلبية المضافة للحرب في أوكرانيا، لكنه لم يذكر الهجوم الروسي على أوكرانيا.
أهداف مجموعة العشرين
تهدف مجموعة العشرين لمناقشة السياسات المتعلقة بتعزيز الاستقرار المالي الدولي، وأيضا معالجة القضايا التي تتجاوز المسؤوليات الخاصة أو المركزية، بحيث وسعت مجموعة العشرين جدول أعمالها منذ عام 2008، حيث أصبح يشارك في قممها رؤساء الحكومات أو رؤساء الدول، فضلا عن وزراء المالية ووزراء الخارجية ومراكز الفكر، وتتكون مجموعة العشرين من 20 دولة عضو بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي مثل هذا الأخير في قمم المجموعة كل من المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي، تمثل اقتصادات الدول الأعضاء في مجموعة العشرين مجتمعة حوالي 90 من إجمالي الناتج العالمي، و80 بالمائة، من التجارة العالمية أو 75 بالمائة، في حالة عدم احتساب التجارة البينية في الاتحاد الأوروبي، وثلثي سكان العالم، وحوالي نصف مساحة اليابسة في العالم.
مع تزايد مكانة مجموعة العشرين بعد القمة الافتتاحية لقادتها في عام 2008، أعلن قادة المجموعة في 25 سبتمبر 2009 أن المجموعة ستحل محل مجموعة الثماني باعتبارها المجلس الاقتصادي الرئيسي للدول الغنية، منذ نشأتها، حيث عقد رؤساء دول مجموعة العشرين قمتين في عام 2009 وقمتين أخريين في عام 2010، منذ القمة السادسة للمجموعة في كان في نوفمبر 2011، كما عقدت قمم المجموعة منذ ذلك الحين بشكل سنوي، فبعد القمة الأولى لعام 2008 في واشنطن، التقى قادة مجموعة العشرين مرتين في السنة، ومنذ عام 2011، عندما ترأست فرنسا واستضافت مجموعة العشرين، كانت القمم تعقد مرة واحدة فقط في السنة، كما عقدت قمة 2016 في هانغتشو بالصين، وعقدت قمة 2017 في هامبورغ بألمانيا، وقمة 2018 في بوينس آيرس بالأرجنتين، كما عقدت عدة اجتماعات على المستوى الوزاري منذ عام 2010، منها اجتماعات وزارية للزراعة في عامي 2011 و2012، اجتماعات لوزراء الخارجية في عامي 2012 و2013، اجتماع وزراء التجارة في عامي 2012 و2014، كما عقدت اجتماعات وزارية للتشغيل سنويا منذ عام 2010.
وبذلك فقد كانت إدارة الاقتصاد العالمي هي الموضوع الأساسي لمجموعة العشرين، وإن كانت مواضيع القمة تختلف من سنة إلى أخرى، إلا أن بناء الازدهار والحفاظ عليه ظل من أهم أهداف المجموعة العشرين، إضافة إلى البحث عن سبل توسيع الإصلاحات المحلية لتحقيق نمو مستدام، والطاقة العالمية وأسواق الموارد العالمية، وإصلاح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وتأثير التغيرات الديموغرافية التي من أبرزها ازدياد نسبة شيخوخة سكان العالم، وكذا المنافسة في الأسواق المالية، والطاقات النظيفة والتنمية الاقتصادية والعناصر المالية للنمو والتنمية.

دواليب منظمة العشرين لإدارة المالية العالمية
تتعدد دواليب تسيير مجموعة العشرين بحسب مساعي تحقيق أهدافها الرئيسة، ومن بينها إنشاء ما أطلق عليه ب “قمة وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين”، والمشكلة من وزراء مالية الدول الأعضاء الذين يحضرون قمة القادة وينفذون قراراتهم في بحث عن سبل إدارة الأزمات المالية العالمية وكذا للإحاطة بقضايا البلدان الناشئة الرئيسية،
في عام 2012، اجتمع وزراء السياحة في مجموعة العشرين ورؤساء وفود الدول الأعضاء في مجموعة العشرين والدول المدعوة الأخرى، بالإضافة إلى ممثلين من مجلس السفر والسياحة العالمي ومنظمة السياحة العالمية ومنظمات أخرى في مجال السفر والسياحة، بميريدا، المكسيك، في 16 ماي في الاجتماع الرابع لمجموعة العشرين وركزوا على السياحة كوسيلة لخلق فرص العمل. ونتيجة لهذا الاجتماع، فإن أبحاث تأثير التأشيرات الصادرة عن المجلس العالمي للسفر والسياحة، والتي عقدت لاحقا في اجتماع قادة مجموعة العشرين في لوس كابوس في الفترة من 18 إلى 19 يونيو، سوف يدرك تأثير السفر والسياحة لأول مرة، وفي ذلك العام، أضاف إعلان قادة مجموعة العشرين بيانا يقول فيه “ندرك دور السفر والسياحة كوسيلة لخلق فرص العمل والنمو الاقتصادي والتنمية، ومع الاعتراف بالحق السيادي للدول في التحكم في دخول الرعايا الأجانب، سنعمل على تطوير مبادرات تسهيل السفر لدعم خلق فرص العمل والعمل الجيد والحد من الفقر والنمو العالمي”.
أزمة القرم وحظر روسيا من قمة العشرين
في مارس 2014، اقترحت وزيرة الخارجية الأسترالية السابقة، جولي بيشوب، عندما كانت أستراليا تستضيف قمة مجموعة العشرين عام 2014 في بريزبين، حظر روسيا من القمة بسبب دورها في أزمة القرم 2014، وذكر وزراء خارجية دول البريكس “بيشوب” لاحقا بأن وصاية مجموعة العشرين تنتمي إلى جميع الدول الأعضاء بالتساوي، ولا يمكن لأي دولة عضو أن تحدد طبيعتها وطابعها من جانب واحد، وفي عام 2016، صاغت مجموعة العشرين التزامها بخطة عام 2030 أهداف التنمية المستدامة، في ثلاثة محاور رئيسية، تعزيز النمو القوي والمستدام والمتوازن، حماية الكوكب من التدهور، وتعزيز التعاون مع البلدان منخفضة الدخل والبلدان النامية، ففي قمة مجموعة العشرين في هانغتشو، اتفق الأعضاء على خطة عمل وأصدروا وثيقة مبادئ عالية المستوى للدول الأعضاء للمساعدة في تسهيل تنفيذ جدول الأعمال، كما استضافت اليابان قمة 2019 وخلال قمة 2020 في المملكة العربية السعودية، التي جمعت بين تغيرات جذرية في الاقتصاد العالمي وتحولات سياسية في العديد من الدول الكبرى، وهو ما يجعل من قمة العشرين منصة حيوية لمناقشة وتوجيه هذه التحولات، كأحد أهم التحديات التي تطرحها قمة العشرين هو تشكيل النظام العالمي الجديد، فالنظام العالمي الحالي تأسس بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك الحين شهد تطورات وتغيرات كبيرة إلا أن هذا النظام بدأ يظهر عليه ضغوطا كبيرة نتيجة التحولات الاقتصادية والسياسية الحالية، فإحدى التحديات الرئيسية التي يجب التعامل معها هي تصاعد التوترات بين القوى الكبرى، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، هذه التوترات تشمل مجموعة متنوعة من القضايا، بما في ذلك النزاعات التجارية والتنافس في مجال التكنولوجيا والسيطرة على الموارد الطبيعية، فجاءت محادثات قمة العشرين لتمثل مناسبة للبحث عن وسائل لتهدئة هذه التوترات وتعزيز التعاون بين الأطراف المعنية، على اعتبار أن العالم يواجه تحديات اقتصادية جسيمة نتيجة لتداعيات جائحة كورونا، التي أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية في جميع أنحاء العالم، وزادت من حدة الفقر والبطالة، لذلك يجب على قمة العشرين أن تكون منصة لبحث سبل التعامل مع تداعيات هذه الأزمة الاقتصادية العالمية وتوجيه الجهود نحو تحقيق تعاف اقتصادي.
قمة العشرين في مواجهة الـ “بريكس”
تأتي قمة مجموعة العشرين، والقمة تنعقد هذه السنة في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من حالة من الهشاشة والمعاناة، وفي ظل تداعيات وظروف مختلفة بعد توسع عضوية تكتل “بريكس” واستمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية في العالم على خلفية الحرب في أوكرانيا، وأيضا في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العالم بسبب سياسة التشديد النقدي المواجهة للتضخم، وبذلك فأمام مجموعة العشرين أوضاع صعبة، وإن كانت المجموعة تصنف بكونها صاحبة الاقتصاديات الأكبر في العالم، أن تتعامل مع المشكلات وتداعيات الأزمة العالمية، بما تفرضه من إصلاح عالمي للمؤسسات الدولية المالية وما ينتج عنه من مشاكل تهم الأمن الغذائي وأمن الطاقة، خاصة وأنها موكولة بالقيام بدورها الحقيقي في محاولة إنقاذ العالم من الدول النامية والناشئة من تبعات هذه المشكلات، باعتبارها مجموعة تسيطر على حوالي 90 بالمائة من إجمالي الناتج العالمي و80 بالمائة من حجم التجارة العالمية و75 بالمائة في حالة عدم احتساب التجارة البينية في الاتحاد الأوروبي، وثلثي سكان العالم، وحوالي نصف مساحة اليابسة.
فبخصوص توسع “بريكس” وما إذا كانت على حساب مجموعة العشرين فإن عددا من أعضاء بريكس يقرون بأهمية استمرار مجموعة العشرين في أداء دورها كمنتدى متعدد الأطراف للتعاون الاقتصادي والمالي الدولي، يضم الأسواق المتقدمة الصاعدة والدول النامية، وتسعى الاقتصادات الكبرى إلى إيجاد حلول مشتركة، على اعتبار أن للمجموعة نهج متوازن تلتزم به، وتعمل من خلاله على أسماء صوت عدد هام من دول العالم بحيث سعت العديد مكن الدول المنضوية تحت لواء مجموعة بريكس أن تكون حاضرة ضمن اجتماعات العشرين، لبناء حالة جديدة في العالم من الزخم الكبير وأن تنجح قمة العشرين في مساعيها لمواجهة شبح المجاعة وأزمة الديون الخارجية وأزمة التغير المناخي وتحديات الأمن السيبراني، وكذا إنقاذ العالم من هوة الشقاق التي تصنعها الاقتصادات الناشئة.

القمة الـ 18 لمجموعة العشرين في ظل تزايد نفوذ “بريكس”
انعقدت القمة الـ 18 لرؤساء دول وحكومات مجموعة العشرين في نيودلهي، خلال يومي 9 و10 شتنبر الماضي، تحت عنوان “أرض واحدة، وعائلة واحدة، ومستقبل واحد”، في جو ينص على التزام القادة بالأولويات التي تركز بشكل أساسي على المتغيرات التي يواجهها الاقتصاد العالمي، والتي تؤثر بدورها على الدول الأعضاء بشكل واسع، فكان الملف الحاضر بقوة على طاولة قمة هو ملف الانقلابات التي شهدتها قارة إفريقيا، إضافة إلى مناقشة جملة من المتغيرات الأساسية كملفات تغير المناخ وتداعياتها على الاقتصاد العالمي، وكذا القضايا المرتبطة بالتحديات التي تواجه الاستثمارات المباشرة وتوجهاتها، وأيضا تمت مناقشة وجود مجموعة من الدول التي تجمع عضوية المجموعتين العشرين و”بريكس”، وهو ما يعكس حقيقة أن انخراط الدول ضمن تكتل بريكس لا يعني أنهم ضد الغرب، أو يعادون القوى الاقتصادية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، فالمملكة العربية السعودية على سبيل المثال وبما لها من وزن ومكانة على الصعيد الدولي، هي عضو مؤثر في مجموعة العشرين وفي الوقت نفسه من الدول التي تنضم إلى “بريكس”، وهو ما يفسر بنوع من التكتلات الاقتصادية الإقليمية والدولية، الهادفة إلى تحقيق نوع من التوازن في العلاقات دون خسارة أحد، ذلك أنه ليس من مصلحة أي من الدول خسارة قوى مثل الولايات المتحدة أو الصين وروسيا.
فمجموعة العشرين تتمتع بثقل اقتصادي واسع، ولها وزن حقيقي ومؤثر لكونها تجمع أكبر 20 اقتصادا في العالم، كما أنها تضم نفس الدول المؤسسة لتجمع بريكس، فى غياب الصين وروسيا، وبالطبع فإن قمة العشرين شهدت مناقشة الحرب فى أوكرانيا وتأثيراتها ومساعى مواجهة الأزمات التى تحيط بالنظام الاقتصادى العالمى، حيث أصدرت بيانها الختامي واتفق فيه القادة المجتمعون في الهند على انضمام الاتحاد الأفريقي إلى تكتلهم ونددوا باستخدام القوة في أوكرانيا لكن من دون ذكر روسيا تحديدا، فيما خلا بيانهم الختامي من أي دعوة للتخلي تدريجيا عن مصادر الطاقة الأحفورية.
ورحبت مجموعة العشرين رسميا بانضمام الاتحاد الأفريقي إلى صفوفها، في خطوة تعد انتصارا دبلوماسيا للهند التي تستضيف القمة هذا العام، وتظهر كزعيمة لدول الجنوب، كما دعت القمة إلى “تسريع الجهود الرامية إلى الحد من إنتاج الطاقة بالفحم” بدون أن تكون مصحوبة بأجهزة احتجاز الكربون أو تخزينه، وهذا يستثني بحكم الأمر الواقع الغاز والنفط، وبذلك، يمكن القول إن تسهم قمة العشرين في تشكيل النظام العالمي الجديد، من خلال اتخاذ قرارات جريئة من أجل مستقبل أفضل للعالم، قادر على تحقيق التوازن بين مصالح القوى الكبرى وضمان العدالة الاقتصادية والاجتماعية على الصعيدين الوطني والعالمي، فالقمة تمثل فرصة للتعاون والتضامن العالمي، وهي مناسبة لبناء نظام عالمي أفضل يضمن الاستقرار والازدهار للجميع، خاصة وأن مختلف دول العالم تتطلع إلى قرارات حكيمة وتعاون دولي فعال في هذه الأوقات الاستثنائية، وهو ما كشف عنه الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في كلمة ألقاها أمام قادة قمة العشرين، عن التوصل لاتفاق لإنشاء ممر اقتصادي، يربط الهند بأنحاء أوروبا، عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، مؤكدا أن “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا سيشهد استثمارات في السفن والسكك الحديدية”، واصفا الاتفاقية بأنها “تاريخية”، وأن “العالم يقف عند نقطة انعطاف في التاريخ”، وهو الاتفاق الذي يأتي في وقت حساس يسعى فيه الرئيس الأمريكي إلى مواجهة مبادرة البنية التحتية العالمية الصينية الحزام والطريق من خلال طرح واشنطن شريكا ومستثمرا بديلا أمام الدول النامية في مجموعة العشرين، وهو ما وصفه بايدن بـ “صفقة كبيرة حقيقية” من شأنها أن تربط الموانئ عبر قارتين وتؤدي إلى “شرق أوسط أكثر استقرارا وازدهارا وتكاملا”، وأضاف خلال فعالية للإعلان عن الاتفاق أنه سيتيح “فرصا لا نهاية لها” للطاقة النظيفة والكهرباء النظيفة ومد الكابلات لربط المجتمعات.
في حين قال رئيس وزراء الهند المضيفة للقمة ناريندرا مودي: “بينما نشرع في مبادرة الربط الكبيرة هذه، فإننا نضع بذورا تجعل أحلام الأجيال المقبلة أكبر”، وقال جون فاينر نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي، للصحفيين خلال القمة السنوية للمجموعة في نيودلهي، إن الاتفاق سيعود بالنفع على الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل في المنطقة، ويتيح للشرق الأوسط الاضطلاع بدور حاسم في التجارة العالمية، ويقول مسؤولون أمريكيون إن المشروع يهدف إلى ربط دول الشرق الأوسط من خلال السكك الحديدية وربطها بالهند من خلال الموانئ، مما يساعد على تدفق صادرات الطاقة والتجارة من الخليج إلى أوروبا، وذلك من خلال تقليص أوقات وتكاليف الشحن واستخدام الوقود، وأضاف فاينر إنه من المقرر توقيع مذكرة تفاهم بشأن الاتفاق من جانب الاتحاد الأوروبي والهند والسعودية والإمارات والولايات المتحدة وشركاء آخرين في مجموعة العشرين، مضيفا “نعتقد أن ربط هذه المناطق الهامة فرصة هائلة”. ولم تتوفر تفاصيل عن قيمة الصفقة حتى الآن، معتبرا أنه من وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن الاتفاق يساعد على “خفض التوتر في أنحاء المنطقة” و”التعامل مع الصراع حيثما نراه”.
Layali Maghribia موقع ليالي مغربية جريدة الكترونية مغربية